الشيخ محمد رشيد رضا

316

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من علل بذلك قضاء الامر بهلاكهم بمجرد نزول الملك ، واستدلوا على ذلك بتمثل الملائكة لإبراهيم ولوط بصورة الناس وتمثل جبريل لمريم بشرا سويا ، وظهوره للنبي ( ص ) بصورة دحية الكلبي غالبا وبصورة غيره أحيانا كما في حديث الايمان والاسلام وغيره ، وذكر بعضهم من خصائص النبي ( ص ) انه رآه في صورته الأصلية مرتين فقط . وقد نازع آخرون في عد هذا خصوصية له ( ص ) إذ لا يثبت ذلك الا بنص ولا نص في المسألة وانما ورد من حديث ابن مسعود عند الإمام أحمد وحديث عائشة عند الترمذي انه لم يره في صورته التي خلقه اللّه عليها الا مرتين . وقد ورد ان من الصحابة من رأى الملائكة في غير صورة البشر كرؤية أسيد بن حضير لهم في مثل الظلة فيها أمثال المصابيح كما رواه الشيخان عنه ، ولكن هذا تمثيل أيضا والمختار عندنا ان البشر في حالتهم العادية غير مستعدين لرؤية الملائكة والجن في حالتهم التي خلقوا عليها كما قال تعالى في الشيطان ( إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) لا لأنهم لا يطيقونها لهولها بل لأن أبصار البشر لا تدرك كل الموجودات بل تدرك في عالمها هذا بعض الأجسام كالماء وما هو أكثف منه من الاجرام الملونة دون ما هو ألطف منه كالهواء وما هو ألطف منه كالعناصر البسيطة التي يتألف منها الماء والهواء ، والملائكة والجن من عالم آخر غيبي ألطف مما ذكر . وهذا العالم مما يعده المتكلمون في الفلسفة وراء عالم المادة ، وليس عند المسلمين عالم غير مادي ، ولذلك يعدون الملائكة والجن من الأجسام اللطيفة ؛ ويقولون انهم قادرون على التشكل في صور الأجسام الكثيفة ، فمثل تشكلهم كمثل تشكل الماء في صورة البخار اللطيف والبخار الكثيف وصورة المائع السيال وصورة الثلج والحليد ، ولكن الماء يتشكل بما يطرأ عليه من حر وبرد بغير اختيار منه ، وذانك يتشكلان باختيارهما إذ جعل اللّه لهما سلطانا على العناصر التي تتركب منها مادة العالم أقوى من سلطان البشر الذين يتصرفون فيها بأيديهم لا بأنفسهم وما هيأتهم ، فهم لا يقدرون على تحليل أبدانهم وتركيبها مع غيرها من المواد . فإذا تمثل الملك أو الجانّ في صورة كثيفة كصورة البشر أو غيرهم أمكن للبشر أن يروه ولكنهم لا يرونه على صورته وخلقته الأصلية بحسب العادة وسنة اللّه في خلق عالمه وعالمها ، فإذا وقع ذلك